تتيح هذه الورشة، التي يقدمها فؤاد بوصوف، فرصة عملية لاستكشاف عرض "ناس" من الداخل، حيث يخوض المشاركون تجربة مستوحاة من العمل نفسه. ومن خلال الحركة والإيقاع والتمارين الجماعية المستلهمة من تصميم الرقصات، يتعرف المشاركون إلى عدد من أبرز المرتكزات الحركية والإبداعية للعمل. كما يستكشفون الإيماءات، والإيقاع الموسيقي، والطاقة، وديناميات الحركة الجماعية التي تشكّل تجربة الراقصين على خشبة المسرح، ويتعرفون إلى كيفية إسهام الحركة الفردية في بناء حضور جماعي مؤثر
تناسب هذه الورشة المشاركين من عمر 16 عاماً فما فوق ممن لديهم خبرة سابقة في الرقص
فؤاد بوصوف (المدير الفني ومصمم الرقصات)
بالنسبة إلى فؤاد بوصوف، يجمع الرقص بين عناصر الاندفاع والزخم والحركة الخالصة؛ وهي كلمات تختصر أيضاً مسيرته الفنية التي قادها فضوله الفطري ورغبته في الانطلاق وتجاوز الحدود. أمضى بوصوف سنواته الأولى في المغرب، حيث عاش في قرية معزولة بمنطقة مولاي إدريس، وسط أجواء عائلية حافلة بالمناسبات الاحتفالية وبيئة طبيعية تتسم بالهدوء والبساطة النقية. وعندما بلغ السابعة من عمره، انتقلت عائلته إلى فرنسا واستقرت في روميلي سور سين بالقرب من مدينة تروا، ليجد نفسه أمام عالم جديد كان عليه أن يتعرف سريعاً إلى ثقافته وقواعده الاجتماعية.
وفي سن المراهقة، بدأ بوصوف ممارسة رقص الهيب هوب على أنغام أشرطة موسيقية لبرنس ومايكل جاكسون. كان هذا النوع من الرقص أشبه بنشاط بدني مقبول اجتماعياً، لكنه أصبح حجر الأساس لأسلوب فؤاد الحركي الخاص، المستند إلى إصرار الجسد على تجاوز حدوده والمضي إلى آفاق جديدة، الأمر الذي أكسبه تقديراً واسعاً بين أقرانه.
أكمل بوصوف دراسته في شالون أون شامباني الفرنسية، حيث شارك أيضاً في ورش عمل قدمها طلاب المركز الوطني لفنون السيرك. وانتقل إلى باريس عام 2000، وبدأ دراسة العلوم الاجتماعية في جامعة باريس الثانية عشرة في كريتاي، حيث قدّم أيضاً دروساً في رقص الشوارع، بدايةً بصورة غير رسمية، ثم بصفته مدرّساً معتمداً. وواصل دراسته في أكاديمية سيتي فيرون، وشارك في مهرجان سورين سيتيه دانس، كما قدّم عروضاً فنية بالتعاون مع فريد بركي وبيير دوسان.
وبعد تقديم أطروحته لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة حول الهيب هوب، انطلق في رحلة برية استمرت سبعة أشهر في أستراليا، لتشكل بداية مرحلة طويلة جمع فيها بين التعليم والإبداع والسفر، وقادته أيضاً إلى مصر وروسيا. وعندما عاد أخيراً إلى فرنسا، قرر تكريس مسيرته للرقص، وأسس في سن السابعة والعشرين فرقة مسالا. وخلال عامي 2008 و2009، ابتكر عروضاً فردية وعرضاً ثلاثياً، قبل أن يقدم عام 2010 أول أعماله الجماعية، ديفياسيون، وتعني مسارات جانبية.
ومنذ ذلك الحين، واصل بوصوف إبداع أعماله بلا انقطاع، مجسداً بذلك الزخم الذي لطالما ميّز نهجه في الفن والحياة. وتتسم أعماله بطابع مزدوج يتعمد تجاوز التصنيفات، ويرتكز على الحضور الكامل في اللحظة، مع استلهام دائم للعناصر الحركية للهيب هوب. وعلى مر السنين، طوّر لغة راقصة تقوم على الحركة والعفوية وفكرة التدفق الحركي المتواصل دون حدود واضحة.
ويستلهم راقصوه هذه الدينامية التي تدفعهم إلى تجاوز أنماطهم الحركية المعتادة، مولّدةً طاقة استثنائية ومتجددة على خشبة المسرح، وهو ما يتجلى بوضوح في أعماله الحديثة، ومنها "ناس" عام 2018؛ و"أم" عام 2020، وهو عمل يحتفي بأم كلثوم، وأسهم في ترسيخ مكانته على ساحة الرقص الدولية.
ويُعد الجسد الأداة الفنية الرئيسية لبوصوف، إلا أنه يوظف أشكالاً فنية أخرى من بينها الفيديو والفنون التشكيلية، سواء المعاصرة منها أو المرتبطة بتاريخ منطقة البحر الأبيض المتوسط. ومن بين هذه الأعمال الفيلم الوثائقي لو باليه أوربان عام 2019، ومشاريعه المشتركة مع النحات أوغو روندينوني؛ منها عمل الفيديو التركيبي بيرن تو شاين عام 2022 في القصر الصغير في باريس، وكذلك في فيا عام 2023، الذي ابتكره لصالح باليه المسرح الكبير في جنيف بتكليف من مصمم الرقصات سيدي العربي الشرقاوي.
وبعد فو عام 2023، وهو عمل لتسع راقصات، أطلق بوصوف مختبراً إبداعياً بالتعاون مع إكوينوكس، المسرح الوطني في شاتورو، وبمشاركة بول مولينا وغابرييل ماجو، لتطوير عرض ثنائي يجمع بين الموسيقى الحية والاستعراض الحر بالقدمين، بعنوان أب عام 2025. ويواصل بوصوف، بوصفه مواطناً عالمياً، مسيرته الإبداعية بإيقاع تحركه العاطفة وروح المخاطرة والرغبة الدائمة في المضي قدماً.
وخلال الفترة من 2020 إلى 2022، شغل بوصوف منصب فنان مشارك لدى دار الرقص المرموقة في ليون، وإكوينوكس – المسرح الوطني في شاتورو، ودار الموسيقى في نانتير. وفي 1 يناير 2022، عُيّن بالإجماع مديراً لمركز لو فار – المركز الوطني لتصميم الرقصات في لوهافر نورماندي. وفي العام نفسه، كرّمته الحكومة الفرنسية بمنحه وسام فارس الفنون والآداب.